نجم الدين الكبرى صانع الأولياء الشيخ الإمام العلامة القدوة المحدّث الشهيد شيخ خراسان
سنتعرف اليوم على الصوفي العابد صانع الأولياء الذي ظلَّ على أعتاب الباب الإلهي حتى تجرع مرَّ الصبر فانفجر بالعشق، فكان في حياته ووفاته يشبه الطامة الكبرى، إنه نجم الدين الكبرى الشيخ الإمام العلامة القدوة المحدّث الشهيد شيخ خراسان .
نسبه ومولده
هو أبو الجناب أحمد بن عمر بن
محمّد الخوارزمي الخيوقي، المعروف بنجم الدين الكبرى، المولود سنة(540 هجرية)
والخيوقي لأن أصله من خِيوق إحدى قرى خوارزم بأوزبكستان، والكبرى نسبة إلى الطامة
الكبرى حيث كان في صغره يسبق أقرانه في فهم غوامض المشكلات، وكانت له الغلبة
والسبق دائما في المناظرات فلقبوه بالطامة الكبرى، فلما كثُر الاستعمال حذفوا
الطامة وبقيت الكبرى للإشارة إليه.
سفره لطلب علم الحديث
بدأ نجم الدين الكبرى حياته بدراسة علوم الدين وخاصة علم الحديث، فخرج من
بلدته خيوق طالباً للعلم، فسافر إلى همذان ومنها سافر إلى مصر، ورجع إلى بلدته
بعدما أتم علم الحديث في الإسكندرية.
سبب كنيته أبو الجنَّاب
بينما نجم الدين في بلدته وفي ليلة رائقة، رأى في منامه أنه أمام النبي
صلى الله عليه وسلم فطلب منه نجم الدين: أن يحدد له كُنية يُعرف بها .. فقال له:
أنت أبو الجناب! قال نجم الدين: مخففة أم مشددة؟ فقال الرسول له: بل مشددة
...فأدرك نجم الدين أن تلك الرؤيا ما هي إلا إشارة سماوية لاجتناب زخرف الدنيا
وغرورها، إنها أمرٌ بالتجرد وبسلوك طريق الصوفية ...
سفره لطلب علوم الحقائق
خرج من موطنه ليطلب هذه المرة علوم الحقائق ..وأخذ يبحث عن شيخ يرشده إلى
الطريق، فالتقى بالأهواز بالشيخ اسماعيل القصري، وصحبه مدة، ثم أشار إليه بصحبة
الشيخ عمار بن ياسر، ولكنه أشار عليه هو الآخر بالنزول إلى مصر للقاء الشيخ الكبير
روزبهان البقلي..
ولقد كان نجم الدين كثير الإشارة إلى فضل مشايخه ، فكان يقول: أخذت علم
الطريقة عن روزبهان البقلي، وأخذت العشق عن ابن العصر، وأخذت علم الخلوة والعزلة
عن عماربن ياسر، وأخذت الخرقة عن اسماعيل القصري.
استقراره بخوارزم
استقر به المقام أخيراً بخوارزم، فأقام بها رباطاً صوفياً، اجتمع فيه
المريدون، وصار شيخ تلك الناحية وكان صاحب حديث وسنة، ملجأ للغرباء، عظيم الجاه،
لايعرف في الله لومة لائم كما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء.
تسميته صانع الأولياء
على يدي نجم الدين الكبرى تخرج العديد من مشاهير الصوفية حتى سُمي من
كثرة تلاميذه النابغين(صانع الأولياء)، ومن هؤلاء التلاميذ المشورين: فريد الدين
العطار، ومجد الدين البغدادي، وسيف الدين الباخرزي، وسعد الدين الحموي، وكمال
الدين الخجندي، ونجم الدين الرازي، وبهاء الدين الرومي والد جلال الدين الرومي.
معاصرته للإمام فخر الدين الرازي
وكان نجم الدين الكبرى معاصراً للإمام فخر الدين الرازي الفقيه
والمتكلم، وقد رويت لنا من وقائع لقائهما هذه القصة " حكي أن الإمام الرازي
لما دخل هراة، أتاه من بها من العلماء والصالحين والسلاطين والأمراء، وسأل يوماً:
هل بقي أحدٌ تخلف عن زيارتنا؟ فقال أصحابه: نعم، بقي رجلٌ صالحٌ منقطعٌ في زاوية!
قال الرازي: أنا رجلٌ واجب التعظيم، وأنا إمام المسلمين، فلماذا لم يزرني؟ فقالوا
لذلك الرجل كلام الإمام الرازي، فما تكلم بشيءٍ أصلاً، ووقع بينهما الخلاف، فصنع
أهل البلدة طعاماً، فدعوهما، فأجابا الدعوة، واجتمعا في حديقة، وسأله الإمام عن
سبب تخلفه عن زيارته، فقال نجم الدين: أنا رجلٌ فقيرٌ لا شرف في زيارتي، ولا نقصٌ
في تخلفي عنها! قال الإمام: هذا جواب أهل الأدب(يقصد الصوفية) فقل لي حقيقة الحال..
فقال الرجل: لأي شيءٍ وجبت زيارتك؟ قال: أنا إمام المسلمين، وواجب التعظيم! قال:
إن افتخارك هو بالعلم، ورأس العلوم معرفة الله تعالى، فكيف عرفته عز وجل؟ قال:
بمائة من البراهين، قال الرجل: البرهان لإزالة الشك، والله تعالى جعل في قلبي
نوراً لا يدخل معه الشك، فضلاً عن الحاجة إلى البرهان، فأثَّر هذا الكلام في قلب
الإمام الرازي، فتاب في ذلك المجلس على يديه ودخل الخلوة مع الشيخ نجم الدين
الكبرى.
أهم مؤلفاته
ترك لنا نجم الدين الكبرى مؤلفات عديدة منها:
رسالة الخائف الهائم من لومة اللائم
فواتح الجمال وفوائح الجلال
منازل السائرين ومنهاج السالكين
ديوان شعر بالفارسية
ديوان شعر بالفارسية
وكلها مؤلفات صوفية رائعة نالت
مكانة متميزة عند أهل الطريق، حتى قيل إن رسالته (الخائف الهائم) لم يُؤلف مثلها
في علم الطريقة.
الاختلاف في مذهبه
أما عن مذهبه فأصح الأقوال أنه لم يكن شيعياً كما يصر مؤرخو الشيعة على
أنه من الشيعة الاثنى عشرية، بل كان سُنياً علي مذهب الإمام الشافعي ..
وفاته على يد التتار
استشهد الشيخ بخوارزم في فتنة التتار سنة 618 هجرية ، وبعد وفاته
انتشرت طريقته المعروفة باسم(الكبروية) ببلاد فارس.. أما هو فظل قبره وحيداً في
صحراء خوارزم ...

تعليقات
إرسال تعليق